الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
124
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [ الأحزاب : 60 ، 61 ] . وقوله : وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ كلام موجه لصلاحيته لأن يكون معناه أيضا وما هم منكم ولكنّهم قوم متّصفون بصفة الجبن ، والمؤمنون من صفتهم الشجاعة والعزّة ، فالذين يفرقون لا يكونون من المؤمنين ، وفي معنى هذا قوله تعالى : قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [ هود : 46 ] وقول مساور بن هند في ذمّ بني أسد : زعمتم أنّ إخوتكم قريش * لهم إلف وليس لكم إلاف أولئك أومنوا جوعا وخوفا * وقد جاعت بنو أسد وخافوا فيكون توجيها بالثناء على المؤمنين ، وربما كانت الآية المذكورة عقبها أوفق بهذا المعنى . وفي هذه الآية دلالة على أنّ اختلاف الخلق مانع من المواصلة والموافقة . [ 57 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 57 ] لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ( 57 ) بيان لجملة : وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [ التوبة : 56 ] . والملجأ : مكان اللّجإ ، وهو الإيواء والاعتصام . والمغارات : جمع مغارة ، وهي الغار المتّسع الذي يستطيع الإنسان الولوج فيه ، ولذلك اشتقّ لها المفعل : الدالّ على مكان الفعل ، من غار الشيء إذا دخل في الأرض . والمدّخل مفتعل اسم مكان للادّخال الذي هو افتعال من الدخول . قلبت تاء الافتعال دالا لوقوعها بعد الدال ، كما أبدلت في ادّان ، وبذلك قرأه الجمهور . وقرأ يعقوب وحده أَوْ مُدَّخَلًا - بفتح الميم وسكون الدال - اسم مكان من دخل . ومعنى لَوَلَّوْا إِلَيْهِ لانصرفوا إلى أحد المذكورات وأصل ولّى أعرض ولمّا كان الإعراض يقتضي جهتين : جهة ينصرف عنها ، وجهة ينصرف إليها ، كانت تعديته بأحد الحرفين تعيّن المراد . والجموح : حقيقته النفور ، واستعمل هنا تمثيلا للسرعة مع الخوف . والمعنى : أنهم لخوفهم من الخروج إلى الغزو لو وجدوا مكانا ممّا يختفي فيه المختفي فلا يشعر به الناس لقصدوه مسرعين خشية أن يعزم عليهم الخروج إلى الغزو .